متابعة: محمد امزيان لغريب
منذ فجر الاستقلال، ظلّ المغاربة يحلمون بدولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبأحزاب سياسية تؤطر المواطنين وتدافع عن مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، غير أن الواقع الذي تعيشه فئات واسعة من الشعب اليوم يطرح أسئلة ثقيلة حول حصيلة عقود من العمل الحزبي والسياسي بالمغرب. فبين وعود انتخابية تتكرر كل موسم، وخطابات عن التنمية والعدالة الاجتماعية، تتسع رقعة الفقر والهشاشة، بينما تتضخم ثروات فئة قليلة بشكل يثير الاستغراب والقلق.
وفي هذا السياق، فجّر رئيس جماعة إيموزار كندر، مصطفى لخصم، جدلاً واسعاً بعد حديثه عن وجود تدخلات تتحكم في مسار التزكيات والترشيحات السياسية، مؤكداً في تصريح إعلامي أن الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، قال له: “خليني نتشاور مع الداخلية باش نرشحك”. تصريح اعتبره كثيرون صادماً، لأنه يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود استقلالية الأحزاب السياسية، ومدى قدرتها على اتخاذ قراراتها بعيداً عن منطق التحكم والتوازنات الإدارية.
وقبل ذلك، كان الصحافي رشيد البلغيتي قد أثار بدوره الجدل حين تحدث عن وجود “حزب واحد هو حزب الداخلية”، وهي عبارة وإن بدت قاسية، فإنها تعبّر عن شعور متنامٍ لدى جزء من الرأي العام المغربي الذي يرى أن عدداً من الأحزاب فقدت دورها الحقيقي في التأطير والدفاع عن المواطنين، وتحولت في نظر منتقديها إلى مجرد واجهات انتخابية موسمية.
إن الأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في التصريحات المتبادلة، بل في فقدان الثقة بين المواطن والعمل السياسي.
فالمواطن البسيط الذي يواجه البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، لم يعد يقتنع بسهولة بالشعارات الكبرى التي ترفعها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية. كيف يمكن إقناع شاب عاطل عن العمل بجدوى المشاركة السياسية، وهو يرى أن الوجوه نفسها تتكرر منذ سنوات دون تغيير ملموس في واقعه الاجتماعي؟
لقد تعاقبت حكومات وأحزاب منذ الاستقلال، ورفعت شعارات محاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن الهوة بين الطبقات اتسعت بشكل واضح؛ فالغني يزداد غنى بفضل الامتيازات والصفقات وتضارب المصالح أحياناً، بينما يزداد الفقير فقراً تحت ضغط البطالة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وفي خضم هذا الوضع، أصبحت فئات واسعة تعتبر أن بعض الأحزاب لا تظهر إلا خلال الانتخابات، ثم تختفي أصواتها بمجرد الوصول إلى المناصب.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن المغرب في حاجة اليوم إلى إعادة الثقة في السياسة، لا إلى قتلها.
فوجود أحزاب قوية ومستقلة وذات مصداقية، يبقى شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية حديثة. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، كلها خطوات ضرورية لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، حتى لا يتحول الإحباط الشعبي إلى عزوف خطير يهدد المشاركة المدنية والسياسية.
إن تصريحات مصطفى لخصم، سواء اتفق معها البعض أو اختلفوا حولها، أعادت فتح ملف حساس يتعلق بعلاقة السلطة بالأحزاب، وحدود استقلالية القرار السياسي بالمغرب. وهو نقاش ينبغي أن يتم بجرأة ومسؤولية، بعيداً عن الشعبوية أو التخوين، لأن مستقبل الديمقراطية لا يبنى بالصمت، بل بالنقد الجاد والإصلاح الحقيقي الذي يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.












