لم تعد الحملات الانتخابية بالمغرب تعتمد فقط على التجمعات الجماهيرية والخطب السياسية والبرامج الانتخابية، بل أصبحت الصورة والمقاطع القصيرة المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من أدوات التواصل السياسي.
ومن بين المظاهر التي أصبحت تتكرر خلال اللقاءات الحزبية، مشاركة عدد من القيادات السياسية في الرقصات والأهازيج الشعبية، سواء على إيقاعات العيطة أو أحيدوس أو الركادة أو الدقة المراكشية، في مشاهد تحظى عادة بانتشار واسع على المنصات الرقمية.
وتقدم هذه الممارسات، في عدد من المناسبات، باعتبارها وسيلة للتفاعل المباشر مع المواطنين وإبراز القرب من الثقافة الشعبية المحلية، في حين ينظر إليها البعض باعتبارها جزءا من استراتيجيات التواصل السياسي الرامية إلى تقديم صورة أكثر قربا وعفوية عن المسؤولين الحزبيين.
ظهر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله ابن كيران، في عدد من اللقاءات الحزبية وهو يتفاعل بالرقص مع أهازيج شعبية وسط أنصاره.
وأثارت هذه المشاهد تفاعلات مختلفة، خصوصا بالنظر إلى الخلفية المحافظة للحزب، حيث اعتبر البعض أن الأمر يعكس طبيعة عفوية في التواصل مع الحاضرين، بينما ربط آخرون هذه الصور بالتحولات التي طرأت على أساليب التواصل السياسي والحزبي.
وأصبحت مثل هذه المقاطع تحظى باهتمام واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أحيانا بشكل يفوق الاهتمام بالمضامين السياسية التي تقدم خلال اللقاء نفسه.
بدوره، ظهر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، في مناسبات مختلفة وهو يشارك في رقصات شعبية، خاصة أحيدوس والركادة، خلال لقاءات حزبية وجماهيرية بعدد من المناطق.
ويأتي هذا الحضور في سياق ارتباط جزء من أنشطة الحزب بالمناطق القروية والجبلية التي تحضر فيها الفنون الشعبية بقوة ضمن المناسبات الاجتماعية والثقافية.
وتحول التفاعل مع الفلكلور المحلي إلى إحدى الوسائل التي تعتمدها بعض القيادات السياسية لكسر الطابع الرسمي للتجمعات والاقتراب أكثر من الجمهور.
كما ظهرت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال عدد من الأنشطة الحزبية وهي تتفاعل مع عروض الدقة المراكشية والأجواء الاحتفالية المصاحبة لبعض اللقاءات.
وساهم تداول هذه المشاهد على نطاق واسع في إبراز الدور المتزايد للصورة في بناء الحضور السياسي على المنصات الرقمية، خاصة في ظل المنافسة على جذب اهتمام فئات الشباب ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.
أحدث انتشار وسائل التواصل الاجتماعي تغييرا واضحا في طرق التواصل السياسي، إذ لم يعد الخطاب المطول الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الناخبين.
فمقطع قصير لا يتجاوز بضع ثوان قد يحقق انتشارا واسعا ويتحول إلى موضوع للنقاش، بينما قد تمر خطابات سياسية مطولة دون أن تحقق المستوى نفسه من التفاعل.
ودفع هذا التحول عددا من الفاعلين السياسيين إلى الاهتمام أكثر بالمحتوى البصري، من خلال الصور ومقاطع الفيديو والتفاعل المباشر مع الجمهور والمشاركة في الأنشطة الشعبية.
وأصبحت مشاهد الرقص والغناء والتقاط الصور مع المواطنين وغيرها من الممارسات جزءا من أساليب بناء الصورة السياسية الجديدة، التي تعتمد على إظهار المسؤول في أجواء أقل رسمية وأكثر قربا من الحياة اليومية.
يمكن أن تحمل هذه المشاهد طابعا عفويا مرتبطا بطبيعة اللقاءات والأجواء الاحتفالية، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قيمة تواصلية كبيرة عندما يتم تصويرها ونشرها على المنصات الرقمية.
فالظهور وسط المواطنين والمشاركة في عاداتهم وفنونهم المحلية يساهم في تقديم صورة مختلفة عن السياسي التقليدي الذي يقتصر حضوره على المنصات الرسمية والخطب.
وفي المقابل، يثير اتساع حضور الجانب الاحتفالي في الأنشطة السياسية نقاشا حول ضرورة الحفاظ على التوازن بين التواصل الجماهيري ومناقشة القضايا المرتبطة بالبرامج الانتخابية والحلول المقترحة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
مع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحملات الانتخابية تعتمد بشكل متزايد على الصورة واللحظة القابلة للتداول، إلى جانب الخطاب والبرنامج السياسي.
وبذلك، لم تعد المنافسة الانتخابية مقتصرة على تقديم الوعود والمقترحات، بل امتدت إلى كيفية تقديم السياسي نفسه أمام الجمهور، وطريقة تفاعله مع المواطنين وقدرته على صناعة محتوى يحظى بالانتشار.
وتكشف مشاهد الرقص خلال التجمعات الحزبية عن تحول أوسع في التواصل السياسي بالمغرب، حيث أصبحت الموسيقى والفنون الشعبية والصورة الرقمية حاضرة إلى جانب الخطاب السياسي في صناعة المشهد الانتخابي وجذب انتباه الجمهور.












