تتربع مدينة طنجة على عرش الاستراتيجية الجيوسياسية للمملكة المغربية، باعتبارها البوابة الملاحية والاقتصادية التي تربط إفريقيا بأوروبا، والجوهرة التي طالما حظيت برعاية ملكية سامية وموصولة. فمنذ اعتلاء العرش، جعل الملك محمد السادس من طنجة ورشاً مفتوحاً للتحديث والتنمية، محولاً إياها عبر مشاريع طنجة الكبرى إلى قطب اقتصادي عالمي يضاهي الحواضر الكبرى.
غير أن هذه الصورة المشرقة، المرسومة بعناية في الأجندات الملكية التنموية، غالباً ما تخدشها واقعية مريرة على الأرض؛ واقعية تصنعها أيدي مسؤولين ومجالس منتخبة اختارت الركون إلى الكسل الإداري، والتعامل بمنطق تصريحات الاستهلاك الموسمي، بعيداً عن الجدية والصرامة التي ما فتئ الخطاب الملكي يربطها بالمسؤولية والمحاسبة. إن طنجة التي يحبها الملك هي طنجة المزدهرة، الذكية، والنظيفة، بينما طنجة التي لا يحبها هي تلك التي تُترك عرضة للأزبال، والحفر العميقة، والفساد الإداري المستشري.
لا تخلو التوجيهات الملكية السامية، سيما في المناسبات الوطنية الكبرى كخطب العرش وافتتاح البرلمان، من رسائل حازمة ترسم معالم رجل الدولة والمسؤول الناجح. فالملك محمد السادس لا يخفي تقديره للمسؤولين الجادين، الذين يقرنون الأقوال بالأفعال ويضعون مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. وفي المقابل، طالما وجه جلالته انتقادات لاذعة لقصور الإدارة وعجز بعض المنتخبين عن مواكبة الإقلاع التنموي للبلاد، معتبراً أن الإدارات العمومية يجب أن تكون في خدمة المواطن لا العكس. وفي طنجة، جسد الإطلاق المولوي لبرنامج طنجة الكبرى نموذجاً صارخاً للرؤية الاستراتيجية التي تتطلب رجالاً بمواصفات خاصة: رجال يعشقون الميدان ولا يترددون في النزول إلى الشوارع والأحياء لتتبع الأوراش. لكن، ويا للأسف، تبخرت هذه الروح عند عتبات مكاتب بعض المسؤولين المحليين والمنتخبين الذين استمروا في تدبير الشأن العام بمنطق الريع، والزبونية، والتدبير الموسمي المرتجل، ضاربين عرض الحائط فلسفة ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن طنجة التي لا يحبها الملك ليست مجرد مجاز أدبي، بل هي واقع يومي يعيشه المواطن الطنجاوي مع كل خطوة يخطوها داخل الإدارات والمرافق العمومية. فما زال جزء كبير من النسيج الإداري والمنتخب بطنجة رهيناً لعقليات عفا عليها الزمن؛ حيث الإبطاء المتعمد لمصالح المواطنين، وتحويل الإدارة إلى المتاهات البيروقراطية التي تُنفر الاستثمار المحلي وتجهض المبادرات. كما يعاني تدبير الشأن المحلي من عجز فكري وبنيوي في إيجاد حلول مبتكرة لأزمات المدينة، مكتفين بتصريف الأعمال بالطرق التقليدية التي تكرس العجز بدل تجاوزه. وحين تُصرف الأموال الضخمة وتُبرم الصفقات، لكن المواطن يفاجأ بتهالك البنيات التحتية بعد أسابيع قليلة من إنجازها، فإننا لسنا أمام مجرد سوء تدبير، بل أمام شكل مقنع من أشكال الفساد الإداري والتقصير الموصوف الذي يستوجب المساءلة الصارمة.
لا يمكن لمدينة تطمح لأن تكون قبلة عالمية للمال والأعمال، وواجهة سياحية واقتصادية للمغرب، أن تنهض بنداءات التنمية وهي تتخبط في أبسط البديهيات الحضرية. تبدو بعض أحياء طنجة، حتى تلك القريبة من المركز، وكأنها خرجت للتو من كارثة طبيعية. حفر عشوائية تتسع مع أولى قطرات المطر، وطرقات مهترئة تحولت إلى كابوس لأصحاب السيارات والراجلين على حد سواء، مما يفضح غياب الصيانة الاستباقية والافتقار إلى الحد الأدنى من الجدية التقنية في المتابعة والمراقبة. علاوة على ذلك، يشكل ملف النظافة بطنجة النقطة السوداء الأبرز في سجل بعض المجالس المنتخبة المتعاقبة. فعوض أن تكون النظافة عنواناً لمدخل إفريقيا الشمالية، تحولت نقاط جمع النفايات إلى مكبات عشوائية تشوه جمالية المدينة، وتكشف هشاشة دفاتر التحملات وعجز الشركات المفوض لها تدبير هذا القطاع الحيوي عن أداء مهامها في ظل غياب زجر حقيقي من طرف الجهات الوصية. إن هذه المشاهد هي النقيض التام لطنجة الكبرى المزدهرة التي هندسها الملك محمد السادس، والتي تقوم على المعمار الجميل، والبيئة النظيفة، والخدمات المتقنة التي تليق بكرامة المغاربة.
إلى متى ستظل دار لقمان على حالها؟ أليس في عروق هؤلاء المسؤولين قطرة حياء تجاه تضحيات وجهود جلالة الملك الذي لا يدخر جهداً في جلب الاستثمارات وفتح الأبواب الدولية للمدينة، بينما يتفنن البعض في إغلاق الأبواب في وجه المواطنين وإفراغ المشاريع الكبرى من محتواها التنموي؟ إن المواطن الطنجاوي اليوم لم يعد يتقبل لغة الأعذار الواهية ولا المبررات الجاهزة التي يسوقها بعض المنتخبين عند كل إخفاق. لقد انتُخب هؤلاء ليمثلوا إرادة الشعب ويسهروا على راحته، لا لكي يتحولوا إلى عراقيل تنموية وأعباء على كاهل المدينة. إن التهاون في تدبير شؤون طنجة ليس مجرد خطأ مهني عابر، بل هو إهانة صريحة للثقة الملكية السامية، وخيانة لأمانة جسيمة ائتمنهم عليها الشعب المغربي. فالملك يعطي بيمينه ما يعطيه طموح الوطن نحو المستقبل، بينما يعود البعض بيسارهم لعرقلة هذه المسيرة عبر الحسابات الضيقة، والصراعات الحزبية الواهية، والاهتمام بالمصالح الشخصية على حساب المصلحة العليا للمدينة.
إن طنجة اليوم، بتاريخها العريق وحاضرها المتجدد ومستقبلها الواعد، لا تستحق إلا الأفضل. إنها مدينة ترفض الوصاية البليدة للكسالى، وتلفظ كل مظاهر العشوائية والفساد الإداري. والمطلوب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، هو صحوة ضمير جماعية لدى كافة المسؤولين والمنتخبين، للانخراط الكلي والفعلي في دينامية طنجة الكبرى بروح الوطنية الصادقة والعمل الميداني الدؤوب. فالمرحلة لا تحتمل المزايدات ولا التسويف؛ إما أن تكونوا في مستوى ثقة الملك وتطلعات الساكنة، وإما أن التاريخ سيسجلكم كعلامة فارقة لفرصة ضائعة في مسار مدينة أبت إلا أن تكون عظيمة.












