يتصاعد الجدل في المغرب بشأن الطرق الجديدة لتسويق العقار عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت الإعلانات الرقمية إلى قناة مؤثرة في قرارات البيع والشراء، يقودها وسطاء وصناع محتوى يعرضون مشاريع ووحدات سكنية أمام جمهور واسع خارج القنوات التقليدية.
ومع الانتشار الكبير لمقاطع الفيديو والبثوث المباشرة المخصصة للعقار، بات المواطن يتلقى يومياً عروضاً تقدم بعض المساكن باعتبارها فرصاً محدودة أو استثمارات واعدة، في وقت يعتمد فيه جزء من هذا المحتوى على التأثير في قرار المشتري أكثر من تقديم معلومات دقيقة ومتكاملة حول العقار.
وتعتمد هذه الإعلانات غالباً على إبراز الموقع والتجهيزات والسعر، مع استخدام عبارات توحي بسرعة نفاد الوحدات أو بارتفاع قيمتها مستقبلاً، وهو ما قد يدفع بعض المشترين إلى اتخاذ قرارات متسرعة قبل التحقق من الوضعية القانونية للعقار وشروط البيع.
ويثير انتشار هذه الممارسات تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الإشهار العقاري والوساطة المهنية، إذ إن نشر محتوى ترويجي يختلف عن التدخل المباشر في التفاوض بين البائع والمشتري أو الحصول على عمولة مقابل إتمام الصفقة، وهي أنشطة ترتبط بقواعد والتزامات قانونية ومهنية.
وتزداد حساسية الملف مع لجوء بعض المعاملات إلى مبالغ غير مصرح بها، أو ما يعرف بـ«النوار»، حيث يتم الاتفاق على أداء جزء من ثمن العقار خارج القيمة المضمنة في الوثائق الرسمية.
ولا تقتصر مخاطر هذه الممارسات على الجانب الجبائي فقط، بل قد تطال المشتري نفسه، الذي قد يجد صعوبة في إثبات الأموال التي دفعها خارج العقود الرسمية في حال نشوب نزاع بين الأطراف.
ويأتي هذا النقاش في وقت تعرف فيه السوق العقارية بعدد من المدن الكبرى، من بينها الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة، ضغوطاً متزايدة مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع قدرة عدد من الأسر على تحمل تكاليف الاقتناء والتمويل.
وفي المقابل، تعمل السلطات على تطوير برامج لدعم اقتناء السكن وتحفيز العرض العقاري، غير أن توسع المضاربة ووجود قنوات تسويق غير منظمة قد يؤثران في فعالية هذه البرامج، خصوصاً عندما تتحول بعض الوحدات من غرضها السكني إلى وسيلة لإعادة البيع وتحقيق أرباح سريعة.
ويبرز هذا الإشكال بشكل أكبر بالنسبة إلى المساكن المستفيدة من برامج الدعم أو الامتيازات الموجهة إلى فئات محددة، إذ إن أي تحايل على شروط الاستفادة أو إعادة بيع غير منضبطة قد يحد من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية لهذه البرامج.
وفي ظل هذا التحول، تتزايد الدعوات إلى مواكبة الإطار التنظيمي للتغيرات التي يشهدها السوق العقاري، عبر وضع ضوابط أوضح للإعلانات الرقمية، وتحديد مسؤوليات المتدخلين، والتمييز بين صناعة المحتوى والإشهار من جهة، والوساطة العقارية من جهة أخرى.
كما يطرح توسع هذا النشاط تساؤلات مرتبطة بالجانب الجبائي، خصوصاً بالنسبة إلى المداخيل الناتجة عن الإعلانات الرقمية أو العمولات المرتبطة بالتوسط في الصفقات، باعتبارها أنشطة اقتصادية تخضع بدورها للالتزامات القانونية والجبائية.
وفي المقابل، تظل مسؤولية المشتري قائمة في التحقق من الوثائق والوضعية القانونية للعقار قبل أداء أي مبلغ أو توقيع أي التزام، وعدم الاكتفاء بما يرد في مقاطع الفيديو والمنشورات مهما بدت العروض جذابة.
ويؤكد هذا الواقع أن الرقمنة فتحت فرصاً جديدة أمام السوق العقاري وسهلت الوصول إلى المشترين والمعلومات، لكنها في الوقت نفسه أفرزت تحديات مرتبطة بالشفافية والمصداقية وحماية المستهلك، ما يجعل تنظيم التسويق العقاري الرقمي مسألة متزايدة الأهمية لضمان سوق أكثر وضوحاً واستقراراً.












