يشهد سوق العمل في المغرب تحولاً متسارعاً في طريقة ممارسة الأنشطة المهنية، بعدما أتاحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي لشريحة واسعة من الشباب إطلاق مشاريع وتقديم خدمات دون الحاجة إلى امتلاك محل تجاري أو مكتب تقليدي.
وأصبح مصممون ومبرمجون ومسوقون وأصحاب متاجر إلكترونية يعتمدون بشكل متزايد على الإنترنت للوصول إلى الزبائن داخل المغرب وخارجه، ما أعاد إلى الواجهة مسألة تنظيم هذه الأنشطة وإدماجها ضمن إطار قانوني وجبائي واضح.
وفي هذا السياق، نشرت المديرية العامة للضرائب دليلاً محيناً لسنة 2026 حول النظام الجبائي للمقاول الذاتي، يوضح شروط الاستفادة والالتزامات المتعلقة بالتصريح وأداء الضريبة والتغطية الاجتماعية، فضلاً عن حالات التشطيب من النظام.
ويتيح نظام المقاول الذاتي للأشخاص الذين يمارسون أنشطتهم بشكل فردي الاستفادة من إطار مبسط، غير أن ممارسة التجارة أو تقديم الخدمات عبر الإنترنت لا تمنح صاحب النشاط هذه الصفة بشكل تلقائي، إذ يظل الانضمام إلى النظام اختيارياً ومرتبطاً باستيفاء الشروط القانونية.
ويحدد النظام سقف رقم المعاملات السنوي في 500 ألف درهم بالنسبة للأنشطة التجارية والصناعية والحرفية، مقابل 200 ألف درهم بالنسبة إلى مقدمي الخدمات.
أما الضريبة على الدخل فتحتسب على رقم المعاملات المحصل عليه بنسبة 0.5 في المائة للأنشطة التجارية والصناعية والحرفية، و1 في المائة بالنسبة إلى الخدمات، إلى جانب الالتزام بالانخراط في نظام الضمان الاجتماعي.
ويتضمن النظام أيضاً مقتضى خاصاً بمقدمي الخدمات، إذ يخضع الجزء من رقم المعاملات السنوي الذي يتجاوز 80 ألف درهم والمنجز لفائدة زبون واحد لقاعدة ضريبية خاصة عن طريق الاقتطاع من المنبع وفق الشروط المحددة في المدونة العامة للضرائب.
ويكتسب هذا الإطار أهمية متزايدة بالنسبة للعاملين في الاقتصاد الرقمي، إذ أصبح بإمكان شخص يقيم في أي مدينة مغربية تقديم خدمات التصميم أو البرمجة أو التسويق لعملاء في مدن أخرى أو خارج المملكة، دون ارتباط نشاطه بموقع تجاري تقليدي.
كما فتحت التجارة الإلكترونية وشبكات التواصل المجال أمام مشاريع صغيرة لبيع الملابس والمنتجات والخدمات والوصول مباشرة إلى المستهلكين، مع تقليص جزء من التكاليف المرتبطة بإنشاء المتاجر والمكاتب التقليدية.
غير أن تحول هذه الأنشطة إلى مصدر دخل منتظم يطرح ضرورة التفكير في وضعيتها القانونية والجبائية، خصوصاً مع توسع حجم المعاملات وتزايد عدد الزبائن واستمرار النشاط بصفة مهنية.
فامتلاك محل تجاري لم يعد العامل الحاسم في تحديد وجود نشاط اقتصادي، إذ يمكن للنشاط الرقمي أن يتحول بدوره إلى مشروع حقيقي يحتاج إلى التنظيم والتصريح واحترام الالتزامات القانونية المرتبطة به.
ويعكس هذا التطور تحولاً أوسع في سوق العمل المغربي، حيث تتيح التكنولوجيا أنماطاً جديدة للتشغيل والعمل الحر وريادة الأعمال، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب وأصحاب المهارات الرقمية.
ومع استمرار نمو التجارة الإلكترونية والخدمات المقدمة عن بعد، يتوقع أن تتزايد أهمية الأطر القانونية المبسطة القادرة على استيعاب هذه الفئات وإدماجها في الاقتصاد المنظم.
وبذلك، لم يعد نظام المقاول الذاتي مرتبطاً فقط بالحرفي أو صاحب المشروع التجاري الصغير، بل بات يشمل شريحة متنامية من العاملين عبر الإنترنت الذين تحولت مهاراتهم وحساباتهم الرقمية إلى أنشطة اقتصادية مدرة للدخل.












