نجلاء مرون
يمثل الوعي السياسي أحد الركائز الجوهرية في بناء الدولة الحديثة وتعزيز أسس المواطنة الفاعلة بالنظر إلى كونه الإطار الذهني الذي من خلاله يدرك الأفراد علاقتهم بالمؤسسات ويمارسون أدوارهم داخل النسق السياسي، وتكتسي هذه المسالة اهمية بالغة في السياق المغربي الراهن، حيث تتقاطع الديناميات الاجتماعية مع التحولات المؤسساتية، الأمر الذي يفتح أفقا نظريا وعمليا للتفكير في سبل إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والمجال العمومي على أساس قيم المشاركة والمساءلة والنقد البناء.
يعرف يورغن هابرماس في كتابه التحول البنيوي للفضاء العمومي الوعي السياسي بكونه ” القدرة الجماعية على الانخراط العقلاني في النقاش العمومي من خلال الحوار والتداول والمساءلة”، ومن هذا المنطلق فإن تطوير هذا الوعي لا يقتصر على التكوين المعرفي بل يشمل أيضا بناء ثقافة سياسية تقوم على قيم الانفتاح والتعدد والالتزام المدني، وفي نفس السياق يشير بيير بورديو في مؤلفه الهيمنة الذكورية إلى أن الوعي السياسي قد يتأثر أحيانا بما يسميه ب العنف الرمزي أي خضوع الأفراد لتمثلات مهيمنة تبدو طبيعية ولكنها تعيد إنتاج موازين قوى اجتماعية قائمة.
في الحالة المغربية، ورغم المكتسبات التي تحققت منذ دستور 2011 ، لا تزال العديد من المؤشرات تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة السياسية، خاصة في صفوف الشباب، فتقارير رسمية تشير إلى ضعف نسب المشاركة السياسية وتراجع الثقة في بعض الهيئات التمثيلية، كما أن الأنماط السائدة من الولاءات الاجتماعية والتصورات التقليدية للمجال السياسي تساهم أحيانا في الحد من فاعلية المشاركة المواطنة
وقد نبه محمد عابد الجابري إلى هذا البعد البنيوي حينما اعتبر أن العقل السياسي العربي يتأسس على منطق الموروث أكثر من منطق التعاقد.
ضمن هذا السياق، تبرز أهمية بلورة رؤية شمولية لإعادة هندسة الوعي السياسي، تقوم على تفعيل أدوار المدرسة والإعلام والنخب الثقافية والمدنية، فالمنظومة التربوية تعد مجالا استراتيجيا لترسيخ قيم الديمقراطية والاختلاف والتفكير النقدي، كما يشكل الإعلام التقليدي والرقمي على السواء، وسيلة محورية في تشكيل الرأي العام، بما يقتضي دعم التعددية المهنية وتنمية ثقافة النقاش، إلى جانب ترسيخ إعلام مسؤول ملتزم بأخلاقيات المهنة.
من جهة أخرى، فإن تجديد النخب الوسيطة من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية يظل من المقومات الأساسية الإعادة بناء الثقة في الفعل العمومي، ويتطلب هذا المسار إعادة النظر في آليات التكوين السياسي وتشجيع انخراط الشباب ومأسسة الديمقراطية الداخلية بما يعزز أدوار الوساطة ويقوي جسور التواصل بين المجتمع والدولة، وفي هذا الاطار يمكن الاستئناس بعدد من التجارب المقارنة، التي نجحت في إرساء وعي سياسي جماعي، سواء عبر إصلاح التعليم والإعلام كما في سنغافورة ورواندا، أو عبر إحياء الفضاء العمومي كما في بعض الديمقراطيات الناشئة.
إلى جانب ذلك توفر الكتابات السوسيولوجية المغربية، من قبيل أعمال عبد الكبير الخطيبي وعبد الله حمودي، أدوات تحليلية لفهم البنيات الثقافية التي تؤطر التمثلات السياسية مثل مفهوم الشخصية المستعارة أو العلاقة التراتبية، وهي مفاهيم تساعد على إدراك طبيعة التداخل بين البعد الرمزي والبعد السياسي في المجتمع المغربي، وما يتطلبه ذلك من مقاربات حذرة ومتدرجة لتأطير التحول الثقافي.
في تقديرنا، إن إعادة هندسة الوعي السياسي لا تعني القطيعة مع الموروث بقدر ما تروم تحديث أدوات الفهم والممارسة وتعزيز دينامية الانخراط المسؤول في تدبير الشأن العام في إطار من الاحترام المتبادل والتوازن بين الحقوق والواجبات، والتفاعل البناء بين المجتمع والمؤسسات، ويعبر عبد الله العروي عن هذه الفلسفة بقوله لا معنى للديمقراطية دون مواطن ديمقراطي في إشارة إلى أن التحول المؤسساتي يظل رهينا بمدى رسوخ الثقافة الديمقراطية في الوعي الجمعي.
ففي وطن يطمح إلى تطوير نموذجه التنموي وتوسيع آفاق مشاركته المواطنة، لا يجب النظر الى المواطن كرقم انتخابي، بل كفاعل شريك في البناء المشترك، فعندما تمنح الثقة ويضمن الإنصات، وتصان الكرامة تصبح الدولة ملاذا لا بمعناها الحرفي، بل باعتبارها أفقا للتعاقد والتشارك والتوازن، وهنا تتجلى رهانات المستقبل ليس فقط في تحديث المؤسسات، بل في إعادة بناء العلاقة الرمزية والعملية بين الفرد والمجتمع والدولة.












