عكست تجربة المخرج عبد الهادي أنبارو في السلسلة الرمضانية “المرضي” توجها واضحا نحو تقديم كوميديا موقف نابعة من الواقع المغربي، ومتشبعة بتفاصيل الهوية المحلية، من خلال رؤية إخراجية واقعية جمعت بين وجوه شابة وأسماء بارزة في التشخيص المغربي.
ويؤمن أنبارو، المقيم في كندا، بأن كوميديا الموقف تستمد قوتها من الحياة اليومية ومن الذاكرة الجماعية للمغاربة، بما تحمله من تفاصيل مرتبطة بالأحياء والعلاقات الاجتماعية والأمكنة المألوفة. ويرى أن هذا النوع الكوميدي ليس سهلا، لأنه يتطلب دقة كبيرة في الإيقاع والكتابة والإخراج، حيث إن أي خلل بسيط في الحوار أو الأداء قد يفرض إعادة المشهد بالكامل. كما أن الضحك، في نظره، لا يشكل غاية في حد ذاته، بل يأتي ضمن بناء درامي متماسك يحمل في عمقه رسائل ومعاني جدية.
وفي حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، عبر أنبارو عن سعادته بالمشاركة في مشروع يرصد ملامح الحياة الاجتماعية المغربية بأسلوب يضع المشاهد وسط مواقف مكتوبة بعناية، بعيدا عن السهولة أو الكوميديا الكاريكاتورية.
وشكلت سلسلة “المرضي”، التي تصدرت نسب المشاهدة على القناة الأولى خلال رمضان 2026، ثمرة عمل جماعي قام على تصور جديد للكوميديا، يراهن على تقديم مادة فنية مختلفة في موسم يعرف منافسة قوية. وقد انبنى هذا التصور على حلقات تستلهم القيم المغربية الأصيلة، مثل الجوار والتعايش والمودة التي تستمر حتى وسط الخلافات اليومية.
واختار المخرج، من أجل تجسيد هذه الرؤية، أسلوبا بسيطا وواقعيا يخلو من المبالغة البصرية، سواء على مستوى الإضاءة أو التأطير أو الملابس أو الديكور. وكان الهدف هو تقريب المتلقي من العالم الاجتماعي الذي تدور فيه القصة، عبر فضاءات تشبه ما يعيشه المغاربة في أحيائهم الشعبية. ومن بين التفاصيل التي عززت هذا المنحى، تصوير بعض المشاهد على أدراج العمارة باعتبارها فضاء يوميا للتفاعل بين الجيران.
ومن السمات الإخراجية التي ميزت السلسلة أيضا، الابتعاد عن الطريقة التقليدية في تصوير “السيتكوم”، واعتماد مقاربة أكثر حيوية، من خلال تنويع حركة الكاميرا والحوارات واستثمار المكان بشكل يخلق اندماجا أكبر للمشاهد مع الزمان والموقف الدرامي.
وتحدث أنبارو باعتزاز عن إدارته لمجموعة فنية جمعت بين طاقات شابة صاعدة، مثل هيثم مفتاح وأسامة رمزي، وأسماء مخضرمة من قبيل حسناء طمطاوي وخديجة عدلي ومريم الزعيمي وعادل أبا تراب وساندية تاج الدين وغيرهم. وأوضح أن بناء الثقة مع هذا الطاقم، خاصة بالنسبة إلى مخرج جديد في الساحة المغربية، لم يكن أمرا تلقائيا، لكنه تحقق عبر الحوار والقراءة المشتركة للنص والاحترافية في التعامل.
وبين تجربته في المغرب والمهجر، يبدي عبد الهادي أنبارو تفاؤلا بمستقبل الدراما التلفزيونية المغربية، مشيرا إلى أن العودة إلى مقومات الهوية الوطنية أصبحت توجها واضحا، في مقابل تراجع تقليد النماذج الأجنبية. ويرى أن الثقافة المغربية تملك من الغنى والجمال ما يسمح ببناء أسلوب كوميدي خاص ومميز.
ويكتسي تتويج “المرضي” في مهرجان الدراما التلفزيونية بمكناس، حيث نالت جائزة أفضل سلسلة كوميدية، رمزية خاصة بالنسبة إلى المخرج، لأنه يمثل أول عمل تلفزيوني ينجزه في المغرب، بعد مسار بدأ سنة 2011 بإخراج أول فيلم قصير، قبل انتقاله إلى كندا لاستكمال تكوينه في مجالات إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، والإخراج الوثائقي والروائي، ثم متابعة دراسات سينمائية بجامعة مونتريال.
ورغم اهتمامه الحالي بالتلفزيون، تبقى السينما هدفا أساسيا في مساره الفني، غير أنه اختار أن يراكم تجارب متنوعة قبل دخول هذا المجال بشكل أوسع، من خلال الاشتغال على أفلام مؤسساتية وكليبات غنائية وإعلانات تجارية، سعيا إلى صقل مهاراته وبناء شخصية فنية متعددة التخصصات.
وفي هذا المسار، خاض عدة محطات بارزة، من بينها إخراج عرض “عين السبع” للفنان حسن الفد في مونتريال سنة 2017، وإنجاز فيديو كليب للفنانة ليلى الكوشي سنة 2019، إضافة إلى أعمال قصيرة ووثائقية، من بينها فيلم “خلف الأقنعة” سنة 2024. ويواصل حاليا الاشتغال على سلسلة قصيرة باللغة الفرنسية في كندا بمشاركة فنانين مغاربة، إلى جانب مشروع فيلم وثائقي بعنوان “الدرب”، يستعيد من خلاله الحي الذي نشأ فيه، في تأكيد على أن الارتباط بالجذور يظل حاضرا مهما ابتعدت المسافات.












