كشفت بيانات مالية حديثة عن حجم الضرائب التي دفعتها شركة «آبل» في أيرلندا، مسلطة الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الدولة الأوروبية في الهيكل المالي العالمي لعملاق التكنولوجيا الأمريكي، رغم أن عدد موظفي الشركة هناك يمثل نسبة محدودة من إجمالي قوتها العاملة.
وبحسب البيانات التي قدمتها «آبل» إلى الجهات التنظيمية، دفعت الشركة نحو 17 مليار دولار للحكومة الأيرلندية خلال العام الماضي، وهو مبلغ يعادل قرابة 40% من إجمالي الضرائب العالمية التي سددتها الشركة خلال الفترة نفسها.
وتكشف الأرقام عن تفاوت كبير بين حجم الأرباح المسجلة في أيرلندا وعدد العاملين هناك، إذ جرى تسجيل نحو ربع الأرباح العالمية للشركة قبل احتساب الضرائب، خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر 2025، عبر كيانات تابعة لـ«آبل» في أيرلندا، بينما لم تتجاوز حصة العاملين في البلاد نحو 3% من إجمالي موظفي الشركة حول العالم.
وتظهر البيانات تفاوتاً لافتاً في الأرباح المسجلة لكل موظف بين أيرلندا وعدد من الأسواق الأوروبية الأخرى.
ففي أيرلندا، بلغت الأرباح قبل الضرائب المسجلة لكل موظف لدى كيانات «آبل» نحو 6 ملايين دولار، في حين لم تتجاوز هذه القيمة حوالي 51 ألف دولار للموظف في ألمانيا، وهو فارق يعكس اختلاف طبيعة العمليات والكيانات التي تُسجل من خلالها الأرباح في كل سوق.
أما في ألمانيا، فقد دفعت «آبل» نحو 153 مليون دولار من الضرائب النقدية، وهو ما يمثل حوالي 0.3% فقط من إجمالي الضرائب التي سددتها الشركة على مستوى العالم خلال الفترة ذاتها.
وجاء الكشف عن هذه الأرقام في إطار قواعد جديدة أقرها الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى إلزام الشركات الكبرى بتقديم معلومات أكثر تفصيلاً حول الإيرادات والأرباح والضرائب المستحقة والمدفوعة في الدول التي تنشط فيها، بما في ذلك بعض المناطق التي تصنف ضمن الملاذات الضريبية.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق جهود أوروبية متواصلة لتعزيز الشفافية في النظام الضريبي للشركات متعددة الجنسيات، والحد من الممارسات التي تسمح بنقل الأرباح بين ولايات قضائية مختلفة وفق اعتبارات ضريبية.
وتعيد هذه الأرقام تسليط الضوء على مكانة أيرلندا كمركز مهم للشركات الأمريكية الكبرى، ولا سيما شركات التكنولوجيا، التي جذبتها على مدى سنوات بيئة الأعمال والضرائب في البلاد.
ويظهر حجم الضرائب والأرباح المسجلة في أيرلندا بالنسبة إلى «آبل» مدى أهمية الكيانات الأيرلندية ضمن عمليات الشركة العالمية، في وقت أصبحت فيه طريقة توزيع الأرباح بين الدول موضع تدقيق متزايد من الحكومات والمؤسسات الدولية.
كما تعكس البيانات الفجوة الكبيرة بين حجم الأرباح المسجلة وعدد الموظفين في بعض الأسواق، وهي مسألة ترتبط بشكل مباشر بالكيفية التي تنظم بها الشركات متعددة الجنسيات عملياتها المالية والقانونية عبر عدة دول.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه المؤسسات الأوروبية والدولية نحو تشديد قواعد الشفافية الضريبية، في محاولة لضمان ارتباط أكبر بين الأرباح المسجلة والأنشطة الاقتصادية الفعلية، وتعزيز قدرة الدول على تحصيل الإيرادات الضريبية المستحقة داخل نطاق اختصاصها.












