عادت أسعار اللحوم الحمراء إلى تسجيل زيادات جديدة بأسواق الدار البيضاء، في ظل استمرار اختلال التوازن بين العرض والطلب وتراجع أعداد القطيع الوطني، ما يثير مخاوف بشأن استمرار ارتفاع كلفة هذه المادة الأساسية وانعكاساتها على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وحسب آخر المعطيات المتعلقة بأسعار اللحوم الحمراء بمجازر الدار البيضاء، برسم الأسبوع الجاري، تراوح سعر الكيلوغرام الواحد من لحوم الأبقار بين 87 و108 دراهم، مقابل ما بين 85 و104 دراهم خلال الأسبوع السابق، مسجلا ارتفاعا على مستوى الحدين الأدنى والأقصى.
ولم يقتصر هذا الارتفاع على لحوم الأبقار، بل شمل أيضا لحوم الأغنام، التي انتقل سعرها من نطاق يتراوح بين 110 و115 درهما للكيلوغرام إلى ما بين 118 و125 درهما، وفق الأرقام التي نشرتها شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للخدمات”.
وفي قراءة لهذه التطورات، أرجع جمال فرحان، الكاتب الإقليمي لقطاع نقل اللحوم وتجار اللحوم بالتقسيط، ارتفاع الأسعار إلى الخصاص الكبير في العرض، معتبرا أن التراجع الذي عرفه القطيع الوطني أصبح عاملا أساسيا في استمرار الضغط على السوق وصعوبة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وأوضح فرحان أن تراجع أعداد الماشية يرتبط بالخسائر التي تكبدها صغار مربي الماشية خلال السنوات الماضية، نتيجة تداعيات جائحة كورونا وارتفاع أسعار الأعلاف ومستلزمات الإنتاج، فضلا عن توالي سنوات الجفاف، وهي عوامل أضعفت قدرتهم على مواصلة نشاطهم والإسهام في تموين الأسواق.
وأضاف أن الأزمة الحالية لا ترتبط بمجرد اختلال ظرفي في العرض، وإنما تعكس تراجعا تراكميا في قاعدة الإنتاج الوطني، الأمر الذي يجعل معالجة ارتفاع الأسعار مرتبطة أساسا بإعادة بناء القطيع وتعزيز قدرات المربين.
وبخصوص الاستيراد، اعتبر الفاعل المهني أن استيراد الأبقار والأغنام واللحوم أصبح ضرورة لتلبية حاجيات السوق الوطنية، لكنه شدد على أن هذا الخيار يظل إجراء مؤقتا لا يمكنه وحده معالجة الاختلالات العميقة أو ضمان انخفاض مستدام للأسعار.
ودعا فرحان إلى إعادة توجيه برامج الدعم نحو صغار مربي الماشية، من خلال تمكينهم من رؤوس الماشية بشكل مباشر، بدل الاقتصار على الدعم المالي، معتبرا أن توفير القطيع سيساعد هذه الفئة على استعادة نشاطها والمساهمة في تقوية العرض الوطني على المدى المتوسط والبعيد.
من جهته، أكد محمد الذهبي، الكاتب العام للاتحاد العام للمقاولات والمهن، الذي تنضوي تحته نقابات الجزارين والمستوردين، أن تجاوز أزمة اللحوم الحمراء يتطلب اعتماد مقاربة تقوم على استدامة الإنتاج الوطني، بدل الاقتصار على التدخلات الظرفية المرتبطة بالمناسبات الموسمية.
وشدد الذهبي على ضرورة إعطاء الأولوية لتوفير اللحوم التي يستهلكها المواطنون بشكل يومي، عوض حصر النقاش في الاستعدادات المرتبطة بعيد الأضحى، مبرزا أن استمرار ارتفاع الأسعار بات يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويؤدي إلى تراجع الاستهلاك.
وأشار المتحدث إلى أن الجزارين بدورهم أصبحوا يتأثرون بتداعيات هذه الوضعية، بسبب ارتفاع تكلفة التزود باللحوم وتراجع إقبال المواطنين، وهو ما ينعكس على نشاطهم التجاري ومداخيلهم.
كما اعتبر أن عمليات استيراد المواشي لم تحقق النتائج المنتظرة على مستوى خفض الأسعار، إذ ظل تأثيرها محدودا على القدرة الشرائية للمستهلكين، داعيا إلى تجاوز الحلول المؤقتة والتوجه نحو إعادة بناء القطيع الوطني باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق استقرار سوق اللحوم الحمراء.
وتعيد الزيادات المسجلة بأسواق الدار البيضاء النقاش حول نجاعة التدابير المتخذة لضبط أسعار اللحوم الحمراء، في ظل استمرار معاناة المستهلكين من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد المطالب بإيجاد حلول هيكلية تضمن استعادة الإنتاج الوطني وتوفير اللحوم بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.












