متابعة : محمد امزيان لغريب
مرة أخرى، تُحوَّل واقعة قانونية واضحة إلى مادة للتضليل السياسي، ويُستعمل الخطاب الحقوقي كقناع رديء لقلب الحقائق.قضية توقيف المواطن الجزائري رؤوف بلقاسمي بالمغرب لم تكن «اختطافًا» كما رُوِّج لها، بل كانت اختبارًا جديدًا لقدرة بعض الأصوات الإعلامية على تزييف المفاهيم، وتحويل تطبيق القانون إلى جريمة، والإساءة إلى دولة ذات سيادة إلى «حرية تعبير».
الحقيقة البسيطة التي يجري القفز عليها عمدًا هي أن المغرب لم يفعل أكثر من تطبيق قانونه الجنائي على أجنبي أساء للبلد الذي استضافه. لا اعتقال سري، لا إخفاء قسري، لا تجاوز للمساطر. توقيف قانوني، بحث قضائي، وضمانات مكفولة. هذا هو تعريف الدولة، لا تعريف «الاختطاف». لكن يبدو أن المشكلة، في نظر البعض، ليست في الفعل المرتكب، بل في كون الدولة المعنية قررت ألا تتغاضى عنه.
إن المغربي، مثل الأجنبي، خاضع للقانون الجنائي نفسه، وأي فعل يمس النظام العام أو يحرض أو يسيء للمؤسسات أو يهدد السلامة المعنوية للدولة يُعاقب عليه وفق نصوص واضحة، لا تحتاج إلى تأويل سياسي ولا إلى مزايدة إعلامية. بل إن التشريعات المقارنة، بما فيها قوانين الدول التي ترفع اليوم لواء “الاستنكار”، أكثر صرامة في قضايا مشابهة.
لكن المفارقة الصارخة، بل الفضيحة الأخلاقية، تكمن في ازدواجية المعايير. كيف يُشن هذا الضجيج بدعوى “الكرامة الإنسانية” في قضية شخص حيّ، موقوف ويتمتع بحقوقه، بينما ظلت جثامين مغاربة محتجزة لأشهر وسنوات دون تفسير؟ كيف تُستدعى مفردات “الاختطاف” و”الانتهاك” هنا، في حين لم تُستدعَ عندما تأخر تسليم جثمان لاعب اتحاد طنجة عبد اللطيف أخريف؟ أين كان هذا الغضب الحقوقي حين احتُفظ بجثمان شاب من الجديدة لأكثر من سنتين؟ وأين كان حين قُتل سائحان مغربيان في عرض البحر ولم تُقدَّم رواية رسمية مقنعة للرأي العام؟الفرق واضح: المغرب عالج الإساءة بالقانون، بينما قوبلت قضايا الأرواح بالصمت أو التمييع. ومع ذلك، يُراد قلب المعادلة: يصبح احترام المساطر جريمة، وتتحول الإساءة إلى حق، ويُختزل مفهوم السيادة في شعارات عاطفية جوفاء.
إن ما يجري اليوم ليس دفاعًا عن حقوق فرد، بل توظيف سياسي فجّ لقضية قانونية، في سياق إقليمي مأزوم، يُستعمل فيه الإعلام كأداة ضغط لا كوسيلة تنوير. والرهان ليس على إنصاف شخص، بل على تسجيل نقاط وهمية عبر شيطنة دولة اختارت أن تتصرف بهدوء المؤسسات لا بانفعال الأنظمة.ورغم كل هذا، يظل الرهان الحقيقي على ما يمثله المغرب تاريخيًا: دولة لا تحكمها ردود الفعل، ولا تُدار بالانتقام. قد يُفرج عن المعني بالأمر، لا خضوعًا للابتزاز، بل انسجامًا مع فلسفة دولة واثقة من نفسها، تعرف أن قوتها لا تكمن في الصراخ، بل في تطبيق القانون، واحترام الإنسان، والسمو فوق محاولات الاستفزاز.
الدول الكبيرة لا تُقاس بحدة خطابها، بل بثبات مؤسساتها. والمغرب، مهما علا الضجيج من حوله، ما زال يختار أن يكون دولة قانون… لا دولة شعارات.












