أَسْفَرَت النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية بدائرة طنجة-أصيلة عن مشهد سياسي يعكس تحولات عميقة في المزاج الانتخابي لعاصمة البوغاز. فبعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة والخطابات التقليدية، أفرزت صناديق الاقتراع رسائل واضحة تؤكد أن المواطن الطنجاوي بات يؤمن بالواقع المعيش ويقيس الأداء بلغة الأثر الميداني، لا بترف الأرقام والأسئلة الشفوية.
وفي صدارة هذا المشهد، برز إخفاق عبد القادر الطاهر، وكيل لائحة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في الظفر بمقعد برلماني لهذه السنة، في محطة شكلت اختباراً حقيقياً لمدى تلاحم المنتخب مع هموم قاعدته الانتخابية.ليس أقسى على الناخب الطنجاوي من أن يكتشف، على مشارف تقييم العمل المؤسساتي، أن الكرسي البرلماني تحول في كثير من الأحيان إلى “مجرد رقم في عداد الجلسات” لا يغادر قبة الغرفة الأولى إلا على إيقاع أسئلة روتينية.
فعندما يلوّح الفريق البرلماني برصيد يقارب 400 سؤال، فإنه يفترض ضمناً أن المواطن يقرأ السياسة بلغة الأعداد الجافة.لكن السؤال الحقيقي الذي فرض نفسه بقوة خلال الحملة الانتخابية هو: كم من هذه الأسئلة اهتزت له وزارة الوصاية لتنتشل حياً من أزمة تعمير، أو تخفف من اختناق نقلي، أو تعيد الاعتبار للاستثمار المنتج لفرص الشغل بطنجة وأصيلة؟ إن تحويل العمل الرقابي إلى “أرشيف ورقي” للأسئلة الكتابية والشفوية، دون الترافع الشرس عن الملفات الحارقة للجهة، يعكس فهماً كلاسيكياً للتمثيلية يقوم على أداء الواجب شكلاً لا إحداث الصدمة التنموية مضموناً.
أظهرت مجريات الحملة الانتخابية واحتكاك المرشحين بالشارع الطنجاوي أن المواطن اليوم لم يعد يستهويه تضخيم الإنجازات الافتراضية. فقد سقطت ورقة التوت عن لغة الأرقام الرنانة أمام عيون ناخبين يكتوون بنار التفاوتات المجالية، والتوترات التنموية، واختبارات القرب الخاسرة ميدانياً.لقد أثبتت التفاعلات الميدانية أن الوعي الجماعي للساكنة قد نضج بشكل كبير، وأصبح يفرق بدقة بين النائب الحاضر بنبضه وهمومه في الأحياء والأسواق، وبين السياسي الذي يخفت صوته طيلة الولاية ولا يظهر إلا في محطات استجداء الأصوات.
هذا التحول الجذري في السلوك الانتخابي هو ما جعل “أسئلة البرلمان” تبدو كبضاعة مزجاة لا قيمة لها أمام تطلعات مواطن يطالب بالحلول الملموسة لا بالوعود المؤجلة.إن إخفاق عبد القادر الطاهر في العودة إلى قبة البرلمان ليس مجرد هزيمة انتخابية عابرة، بل هو عنوان لمرحلة سياسية جديدة تعاقب كل من تعامل مع الثقة الشعبية كمنصب عبور لا كأمانة ثقيلة.
فالمواطن الطنجاوي أثبت أنه يمتلك ذاكرة حية لا تمحوها الخطابات الموسمية، وأن صناديق الاقتراع أصبحت مرآة صادقة تعكس بوضوح من يقف بجانب هموم الشعب ومن يغرد خارج سياق معاناته اليومية.












