متابعة : هدى الهيشو كزيرة
لم يعد التسول اليوم فعلًا محصورًا في الشوارع والأماكن العامة، بل صار ضيفًا ثقيلًا على فضاءاتنا الرقمية. ومع اتساع رقعة الإنترنت واندماج وسائل التواصل في الحياة اليومية، ظهرت فئة جديدة تتقن استدرار العاطفة بنقرة زر، وتحوّل الحاجة—أو ادّعاءها—إلى محتوى قابل للمشاركة والانتشار. إنها ظاهرة التسول الإلكتروني التي تتنامى بصمت، وتشكل تحديًا أخلاقيًا واجتماعيًا وقانونيًا في آن واحد.
التسول الإلكتروني هو طلب المساعدة المالية عبر منصات مثل إنستغرام، تيك توك، سناب شات وغيرها. المشكلة ليست في وجود حالات إنسانية حقيقية—فهي موجودة وتحتاج بالفعل إلى الدعم—بل في تحول الظاهرة إلى «سوق» مفتوح، يتقاطع فيه الصادق بالمتلاعب، والمحتاج بالمحتال.
لا يمكن إنكار أن هناك من يواجهون ضائقة قاسية، أو تكاليف علاج باهظة، ويلجؤون إلى الجمهور طلبًا للمساعدة. هؤلاء هم الوجه الإنساني للظاهرة. لكن بالمقابل، هناك من يستغلون الطيبة البشرية لتضخيم مكاسبهم الخاصة عبر قصص مختلقة، أو صور مسروقة، أو سيناريوهات مُعدّة مسبقًا لجمع مبالغ كبيرة.
المقلق أن الظاهرة لم تعد مجرد محاولات فردية؛ بل بدأت تأخذ شكلًا شبه منظم. نرى حملات «طبية» فورية، قصصًا درامية مُحبكة، دموعًا على البث المباشر… ثم يتضح لاحقًا أن كل شيء مفبرك وأن “المريض” غير موجود أصلًا.
هذه الممارسات لا تسرق المال فقط؛ بل تسرق الثقة. ومع تكرارها يصبح الجمهور أكثر تشككًا، ما يضعف روح التضامن الاجتماعي ويؤثر على المحتاجين الحقيقيين الذين قد يجدون أنفسهم محاصرين بالشك والريبة.
القوانين حول العالم ما زالت تتلمّس طريقها في التعامل مع هذا النوع من السلوك. فبعض الدول تصنّف التسول الإلكتروني ضمن جرائم الاحتيال المالي أو النصب عبر الإنترنت، بينما تظل دول أخرى عاجزة عن وضع إطار قانوني واضح، خشية الخلط بين التسول والتمويل الجماعي أو بين مساعدة محتاج وملاحقة محتال.
غياب الوضوح القانوني يمنح المحتالين هامشًا واسعًا للمناورة، ويجعل الضحايا في وضع أضعف، خصوصًا حين تتم العمليات عبر منصات عابرة للحدود.
مواجهة التسول الإلكتروني لا يمكن أن تتم بقرار واحد أو بحملة عابرة. المطلوب استراتيجية شاملة تشمل:
توعية رقمية واسعة لتعليم المستخدمين كيفية التحقق من الحملات قبل التبرع.
تشديد المراقبة على الحسابات التي تجمع الأموال بطرق غير قانونية.
تسريع دور المؤسسات الرسمية في تقديم الدعم الاجتماعي والصحي الحقيقي، حتى لا يجد المحتاج نفسه مضطرًا لطلب المساعدة عبر بث مباشر.
تمكين المجتمع المدني من لعب دور الوسيط الموثوق بين المحتاج والمتبرع.
التسول الإلكتروني ليس مجرد ظاهرة هامشية، بل مرآة تكشف تناقضات المجتمع الرقمي: سهولة الوصول مقابل هشاشة الثقة، ومساحة الحرية مقابل مساحة الاستغلال.
وفي زمن تتحول فيه المشاعر إلى “مشاهد” والمساعدة إلى “عدد مشاهدات”، يصبح واجبًا أن نسأل:
هل نبني مجتمعًا رقميًا متضامنًا… أم نتركه ساحة مفتوحة للمتلاعبين بالعاطفة؟












