متابعة : الناشط المجتمعي د. عبد المجيد الإدريسي
مع اقتراب المحطات الانتخابية، تتجدد في المشهد السياسي المغربي طقوس المألوف؛ شعارات براقة ترفع، وعود تتجدد، ووجوه تتبدل، في محاولة متكررة لإيهام الرأي العام بأن البلاد على موعد مع انطلاقة جديدة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة على النقاش العمومي اليوم لا يتعلق بجدوى تنظيم انتخابات جديدة من عدمه، بل بصميم العملية الديمقراطية ذاتها: هل نحن بحاجة إلى صناديق اقتراع، أم إلى ديمقراطية حقيقية تفرز حكومة تملك قرارها وتمارس صلاحياتها فعلياً؟إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في البنيات التحتية للانتخابات أو في كثرة الأحزاب واللوائح المتنافسة، بل يتجە أعمق نحو طبيعة توزيع السلطة التنفيذية ومن يمسك بزمام القرار الفعلي. فالمنطق الدستوري يفترض أن تضطلع الحكومة بكامل صلاحياتها التنفيذية، وأن تتحمل بشجاعة مسؤولية السياسات العمومية والقطاعات الحيوية، بما فيها مجالات السياسة الخارجية ضمن الإطار المؤسساتي والقانوني.
إلا أن شيوع مصطلح “وزارات السيادة” في الأدبيات السياسية المغربية، رغم غيابه عن التصنيفات الدستورية الصريحة لدستور 2011، يكرس حالة من الضبابية. وأمام تباين درجات الاستقلالية الحكومية في تدبير بعض القطاعات، يبرز التساؤل الملح: من يحاسب المواطن عند تعثر السياسات العمومية؟ هل يقع الوزير أو رئيس الحكومة تحت طائلة المساءلة، أم الحزب، أم البرنامج الانتخابي؟ أم يكتفي الجميع بالتبرير المتكرر بأن “الأمور أكبر من الحكومة”؟الديمقراطية الحقَّة ليست مجرد طقس دوري لإيداع الأصوات في الصناديق ثم الانكفاء نحو الصمت، بل هي عقد سياسي يتيح للمواطن تتبع مسار القرار ومعرفة من نفذ ومن أخفق.
لا يزال المواطن المغربي يواجه التحديات الإجتماعية والاقتصادية ذاتها؛ من أزمات التعليم والصحة والبطالة، إلى الفوارق المجالية وضعف القدرة الشرائية. وغالباً ما تُقابل هذه الاختلالات بحلول ترقيعية ومسكنات موسمية تكتفي بصناعة الواجهات وإطلاق الاستراتيجيات دون إحداث أثر ملموس في المعيش اليومي للمواطن.وعلى خطى الأزمة، تتحمل الأحزاب السياسية المسؤولية الكبرى بصفتها مدارس للتأطير وصناعة النخب. لكنها تحولت في كثير من محطاتها إلى هياكل انتخابية تلهث خلف المواقع والتحالفات الظرفية، مستفيدة من الدعم العموم دون أن تقدم بدائل حقيقية ترتقي بوعي الناخب وتغير واقعه نحو الأفضل.إن الفجوة القائمة بين النصوص الدستورية المعلنة والممارسات السياسية الفعلية تستدعي شجاعة في نقد الذات.
فالدستور يجب أن يكون القاعدة الملزمة للجميع، بحيث تتمتع المؤسسات المنتخبة بالهامش الكافي لتدبير الشأن العام والاضطلاع بمسؤولياتها كاملة.ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، فإن الرهان لم يعد محصوراً في معرفة الفائز في الانتخابات، بل في مدى قدرة المؤسسات القادمة على الوفاء بالتزاماتها.
فالمغرب اليوم لا بحاجة إلى مزيد من الشعارات والوعود المستهلكة، بل يفتقر إلى وضوح تام في توزيع الأدوار: من يحكم؟ من يقرر؟ ومن يحاسب؟ وحين تُجاب هذه الأسئلة بوضوح، تنتقل الديمقراطية من كونها مجرد “طقوس انتخابية” إلى ممارسة فعلية تصنع التغيير الحقيقي.












